عن الهوية والاختلاف: كيف غيرت سهيلة عالمها؟

في رأي البعض نبدو وكأننا بنات الشمس، نساء من بلاد الشرق ، حظين بيوم صيفي جميل أثناء المقابلة، لكننا نهرب للمرة الثالثة من الزحام والحرارة المحرقة. ” من فضلك اخفض صوت الأغاني” تقولها سهيلة للنادل في المقهى الذي كنا نجلس فيه بجوار المجرى المائي، يومئ لها الرجل بود، ومن ثم يلحظنا من على بعد باستعجاب من الطريقة التي نتحاور بها؛ تتحدث إليّ سهيلة بالعامية المصرية، تلك اللهجة التي عرفتها من الأفلام المصرية الكوميدية، بينما أحدثها أنا باللغة التي أستطيع التعبير بها أفضل من غيرها؛ الهولندية، مع دمج بعض الكلمات السورية بها.

سهيلة هي امرأة مميزة يجب أن يعرفها الجميع، هكذا أقدمها مرة بعد أخرى إلى أصدقائي: لديها أم بلجيكية، وأب تركي، ومع ذلك فهي مصرية تمامًا؛ فقد ترعرعت في قلب مصر مع أمها وأخواتها. ليس هذا كل شيء، فهذه المرأة التي تجلس أمامي معقود شعرها في لفة لا مبالية ومرتدية قميصًا أبيض مزركشا بالزهور، لم تكن دوما هكذا، فمنذ بضع سنين مضت كانت ترتدي النقاب، كان جسدها مغطى بالكامل برداء طويل لا يبرز سوى عينيها. الفتاة التي تجلس أمامي أثناء المقابلة، هي انصهار للشرق والغرب، وعلى معرفة بالتيارات الإسلامية المختلفة؛ المحافظة والليبرالية. ولذلك يجدر بالجميع معرفتها.

 سهيلة ماقبل أزمة الهوية ليست هي سهيلة التي تجلس أمامي الآن، كيف تصفين الشخص الذي كنت عليه؟

دعينا نبسط الأمور ولا نحول كل أمر إلى أزمة، فمن الطبيعي أن يتطور الإنسان ويتبدل على مدى سنين عمره. توقف هذا التطور منافٍ للطبيعة وإعلان عن موت الإنسان. على كل أنا أفضّل مصطلح تشكيل الهوية، وإن كانت بالتأكيد تتخللها لحظات من الأزمات.

حتى عامين ونصف مضت، كنت أؤمن أن هناك طريقة واحدة صحيحة للحياة، ولن يستقيم العالم طالما لم يطبقها، وهذه الطريقة هي المنهج السلفي. فبعد أن قرأت فيه وتشربت به، شرعت أطبقه على جميع جوانب حياتي؛ فكنت منتقبة، أؤمن نظريًا أن هذا الزي هو الأمثل للمرأة. وتحدد هدفي في الدعوة إلى الله، وتكوين أسرة مسلمة، والتميز من أجل رفعة هذا الدين. كنت أرى أننا في جانب والعالم في جانب، على العالم أن يصبح مثلنا، فنحن من يمتلك الحقيقة، وكنت أرى كل شيء إما أبيض أو أسود، حلالاً أو حرامًا، لا وجود للمساحات الرمادية، وبالتالي كنت لاذعة جدًا في أحكامي على نفسي وعلى الآخرين.

IMG_0708

Fotografie: Hatima Merzjo

 الأمر مثير للإعجاب، فحتى وأنت تتحدثين عن “سهيلة السابقة”، نرى أنها كانت ذات شخصية قوية. فهي قد تكون مرتدية للنقاب، ولكنها ليست بالشخص الضعيف أو المقموع كما قد يظنه الناس هنا سريعا.

من الضروري الإشارة إلى أن هذه النظرة الاستشراقية للنقاب والمنتقبات لا تمت إلى الواقع بصلة، أعرف فتيات فرض عليهن النقاب فرضا، وأخريات حاربن وحاربن من أجل ارتدائه. أنا مثلا لم يجبرني أحد على الالتزام بزي معين، اخترت أن أرتديه في سن صغير، بينما لم تنتقب أخواتي.

عندما أفكر الآن في الأمر أعتقد أنني أرتديه ابتداء لكي أتشبه بمن أعظمهم؛ أمي ومعلمتي التي كانت تدرسني العربية. كنت في الحادية عشرة، عارضت أمي الأمر في البداية لصغر سني، لكنها تركتني في النهاية أفعل ما أشاء، فقد كانت ترغب في أن أرتديه لاحقًا على كل حال. أبقيت عليه في سنين المراهقة لأنه كان يشعرني بالأمان. لم أكن أفهم كثيرا مما كان يعتريني، ولم يقدم لي النموذج الذي كنت أعيش وفقا له أجوبة على حيرتي، قدر ما كان يعطيني نموذجًا جاهزًا للوجود، ولم أكن أجرؤ على التعامل مع نفسي، فكان اختفائي في النقاب يشعرني بأمان ما، في وقت لم أستطع فيه أن أفتح ذراعي للعالم وأقول ها أنا ذا.

مع ذلك بقيت بداخلي بذرة من العقلانية والتمرد، فأنا أتذكر على سبيل المثال ذلك الرجل الذي تقدم لخطبتي أيام دراستي بالجامعة، سارت الأمور على نحو جيد، حتى أعرب عن رغبته في ارتدائي لنقاب وجلباب أسود بدل الملون الذي كنت أرتديه. دخلت في جدال معه رافضة ومستنكرة للأمر. وهكذا شيئا فشيئا نمت البذرة عندما توفرت الظروف الضرورية.

photo_2018-06-11_21-04-51

منذ كم عام, سهيلة و صاحباتها في جامعة عين شمس

 تحولات الهوية إجراء يأخذ وقته، وهي مازالت مستمرة إلى الآن، ولكن هل تستطيعين تحديد لحظة بعينها بدأت فيها هذه التحولات؟ هل حدث شيء مثلا دفعك لإعادة التفكير في معتقداتك بشكل راديكالي؟

كل شيء يبدأ بطرح السؤال الصحيح بعد الوجود في حالة حيرة تجاه قضايا معينة، فحالة الحيرة هذه وعدم الفهم هي المرحلة الأولى الضرورية، والكثيرون يتوقفون عندها ولا يجرؤون على الدخول في المرحلة التالية، وهي طرح السؤال الصحيح وهذا ما حدث معي.

يأتي هنا دور الدوافع الداخلية والخارجية أو التجارب التي يتغير بعدها كل شيء كما أشرتِ. هي بالطبع تختلف من شخص لآخر؛ بالنسبة لي كان بدء العمل بعد عودتي إلى بلجيكا لاستكمال دراستي العليا نقطة تحول. لم يكن التحول لأني بدأت العمل في حد ذاته، لكن لأن الكثير من المفاهيم والأكاذيب التي بلعتها بلعًا من الكتب في الماضي هدمت تماما.

“الرجال أفضل من النساء”، “الرجال أكثر قدرة على التفكير المنطقي”، “أقوى”، “أذكى”، “الأصلح للقيادة”… باختصار كان يتم تلقيني وتلقين المجتمع والنساء خصوصا بأن الرجال أعظم مقامًا من المرأة، وبالتالي فهم حاضرون و يسيطرون على المساحات العامة، أما النساء فعاطفيات، ضعيفات، أقل في العقل، غير صالحات للقيادة، وبالتالي مخفيات ينتمين للمساحات الخاصة، في أدوار ترتبط بالرعاية بشكل أساسي كأم وزوجة ومعلمة للأطفال أو لنساء مثلها. عندما دخلت الأجواء الاحترافية في عملي أدركت فورًا زيف هذه الادعاءات، وأنني أمتلك خصائص ومواهب ومهارات تتساوى بالرجال بل وتفوقهم أحيانا. الرجال ليسوا أفضل من النساء، والعكس غير صحيح. ولو منحت المرأة الفرصة للنمو والتطور لما كان هناك اختلاف كبير بين الجنسين.

 تتحدثين هنا عن التنشئة الاجتماعية، وهو ما يذكرني بمقولة معروفة للنسوية سيمون دي بفوار، تقول فيها أن النساء لا يولدن نساءً بل يُصيَّرن كذلك.

بالضبط، المجتمع والتربية يحددان بشكل كبير صفاتنا الشخصية وأدوارنا في الحياة. من المهم أن تكون على إدراك بأنك قادر في أي لحظة في حياتك على التوقف وقول: “حسنا، أنا الآن لست الشخص الذي أرغب أن أكونه، ما أنا عليه لا يعبر عني، أريد أن أكون شخصًا آخر”.

حتى لو كان النموذج الذي ترغب في أن تتحول إليه مغاير بالكلية لما أنت عليه الآن، أو مغاير لبيئتك الشخصية، فهذا لا يهم، ولا يهم كذلك في أي مرحلة عمرية تقوم فيها بهذا التحول المحوري. أنت من يقرر، وكل ما تقرره وتقوم به قابل للنجاح، طالما لم ترهب هذه التحولات ولا الخروج على المألوف. الوقت ليس متأخرا أبدا لقلب عالمك بالكلية وتعديل وتطوير وضعك، فنحن جميعا في تطور مستمر، واتجاه هذا التطور لا يقبل التنبؤ به تماما.

IMG_0693

 ما ألاحظه أنا شخصيا أن الكثير من الفتيات ليست لديهن الفرصة لتغيير حياتهن. هن لا يرهبن التغيير، لكن يرهبن ردود فعل البيئة المحيطة. أحيانا لا تكون هذه المخاوف صحيحة، لكن في كثير من الأحوال يكون هناك تهديد حقيقي؛ فلنفكر مثلا في فتيات لديهن إخوة عنيفين أو أمهات متسلطات ومهيمنات، يكون لدى هؤلاء عرقلة دائمة للتطور الشخصي لأنهن خائفات..

في أحوال كثيرة تكون دواعي هذا الخوف غير حقيقية كما ذكرتي، ويكون لدى العائلة تفهم أكثر مما قد يظن في البداية. من الضروري التحدث معهم بالطريقة المناسبة عن الأفكار والمعتقدات التي تم تبنيها، فليس معنى أنك أصبحت تفكر بشكل مختلف أن تحدث قطيعة مع من يفكرون بنفس طريقتك السابقة. تجارب الناس مختلفة في الحياة وليس عليك أن تقنع أحدا بطريقتك.

نصيحتي هي عدم الخوف، ومحاولة تخمين مدى أمان الإعلان عن رؤاك الخاصة والتحدث عنها. إذا قبلك محيطك فهذا مثالي، إن لم يقبلك حتى بعد محاولات الحوار فحاول أن تدعم نفسك وتوفر لها الأمان بطرق أخرى. في الأغلب لا يريد لك أهلك سوى الخير، لكن ما يرونه خيرا قد لا يكون بالضرورة خيرا بالنسبة لك. هنا تأتي أهمية وجود دائرة بديلة من المعارف الذين تستطيع أن تجري معهم محاورات فكرية بناءة. كن مع ناس يشعرونك بالأمان، ويرغبون في الاستماع إليك مهما بدا ما تقوله مجنونا. ناس يحبونك بلا شروط، لأنه من المهم للغاية، بعيدا عن مدى قوة تحولاتك، أن تكون محاطا بمن يشبهك ولا يتهمك طيلة الوقت بعدم صحة ما تقوله أو بالجنون أو بأنك ستذهب إلى جهنم. ويكون بينك وبينهم تفهم وحب ورحمة متبادلة. ابحث عن شخصيات رائدة في المجالات التي أصبحت مهتما بها أو عن الذين مروا بتجارب مشابهة واستمع إليهم، وأخيرا الفن فهو خير وسيلة للاسترخاء والمقاومة.

كاتبة هذا المقال هي ميادة سروجي لfemm.blog. المقابلة مع سهيلة يلدز وقعت في غنت, بلجيكا. ترجمة: سهيلة يلدز

Geef een reactie

Vul je gegevens in of klik op een icoon om in te loggen.

WordPress.com logo

Je reageert onder je WordPress.com account. Log uit /  Bijwerken )

Google+ photo

Je reageert onder je Google+ account. Log uit /  Bijwerken )

Twitter-afbeelding

Je reageert onder je Twitter account. Log uit /  Bijwerken )

Facebook foto

Je reageert onder je Facebook account. Log uit /  Bijwerken )

Verbinden met %s